الشيخ محمد رشيد رضا
214
الوحي المحمدي
عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ « 1 » [ النساء : 29 ] ، وقال اللّه تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 188 ] ، وقال اللّه تعالى في اليهود : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [ النساء : 161 ] ، وقال اللّه تعالى فيهم : أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [ المائدة : 42 ] مبالغون في أكل أموال الناس بالباطل وهو يشمل كل ما ليس له مقابل صحيح مشروع ويدخل فيه الغش والحيل والخداع الدنيوي والديني والرشوة ، والسحت - بالضم الحقير الذي يلزم صاحبه العار ويوصف بالخسة فهو يسحت مروءته أي يذهب بها وقد قلت في وطن الحكام الظالمين من المقصورة الرشيدية : وكيف لا يسحته اللّه وهم * للسحت أكالون فيه والرّشا وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [ التوبة : 34 ، 35 ] الوعيد على كنز المال بمنع تداوله والانتفاع العام به وبمنع الحقوق منه « 2 » . القطب الرابع : مدح المال والغنى بكونه من نعم اللّه وجزائه على الإيمان والعمل الصالح قال اللّه تعالى في سورة نوح عليه السلام حكاية عنه : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [ نوح : 10 - 12 ] ، وفي معناه ما حكاه عن هود عليه السلام في سورة [ هود ، الآية : 52 ] ، بل قال اللّه تعالى في بيان نعمته على آدم وحواء وذريتهما بهداية الدين في آخر قصته من سورة طه : قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [ 123 ، 124 ] . . الآيات . فجزاء اتباع هداية الدين الحفظ من شقاء الدنيا والفوز بنعمة المعيشة الراضية فيها ، وجزاء من أعرض عنها الشقاء ومعيشة الضنك فيها ، وفي معناه قوله تعالى من سورة
--> ( 1 ) الباطل ما ليس له مقابل ، ومن التجارة مالا ربح فيه ، ويحل بالتراضي . ( 2 ) راجع تفسيرها في ص ( 395 - 410 ) من الجزء العاشر - تفسير المنار .